ابن قيم الجوزية

216

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

من الهداية شيء « 1 » . وبعث إبليس مزينا ومغويا ، وليس إليه من الضلالة شيء ، قال تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) [ يونس ] فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة ، فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا ، وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا ، وهذه المرتبة أخصّ من التي قبلها ، فإنها هداية تخص المكلفين ، وهي حجة اللّه على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه . قال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] وقال : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( 165 ) [ النساء ] وقال : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) [ الزمر ] وقال : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) [ الملك ] . فإن قيل : كيف تقوم حجته عليهم ، وقد منعهم من الهدى ، وحال بينهم وبينه . قيل : حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى ، وبيان الرسل لهم ، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا ، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ، ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله ، فإنه لا يعذّبه حتى يقيم عليه حجته ، فلم يمنعهم من هذا الهدى ، ولم يحل بينهم وبينه . نعم قطع عنهم توفيقه ، ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه ، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم ، وإن

--> ( 1 ) حديث باطل . رواه ابن عدي في « الكامل » ( 3 / 910 ) عن عمر . وفيه خالد بن عبد الرحمن أبو الهيثم العبدي : قال الدارقطني : لا أعلمه روى غير هذا الحديث الباطل . وقد ذكره ابن الجوزي في « الموضوعات » ( 1 / 272 - 273 ) .